محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

143

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

« عبس » ضرير محطوم الوجه على الوليد ، فسأله عن سبب ضرّه ، فقال : بتّ ليلة في بطن وادي ولا أعلم على وجه الأرض « عبسيّا » يزيد ماله على مالي ، فطرقنا « 1 » سيل أذهب ما كان لي من مال وأهل وولد إلّا صبيّا رضيعا ، وبعيرا صعبا ؛ فندّ « 2 » البعير والصبي معي ، فوضعته ، وأتبعت البعير لأحبسه ، فما جاوزت إلّا ورأس الولد في بطن الذئب قد أكله ، فتركته ، واتبعت البعير ، فاستدار ، فرمحني رمحة حطّم بها وجهي وأذهب عينيّ ، فأصبحت لا ذا مال ، ولا ذا أهل ، ولا ذا ولد ، ولا ذا بدن . فقال الوليد : اذهبوا به إلى « عروة » ليعلم أنّ في الناس من هو أعظم بلاء منه » . وروي عن عبد الواحد بن زيد رضي اللّه تعالى عنه ، أنه خرج مع بعض إخوانه إلى ناحية من نواحي البصرة ، فأواهم السير إلى كهف جبل ، فإذا فيه عبد مقطّع بالجذام « 3 » ، يسيل جسده قيحا وصديدا ، فقالوا له : يا هذا ، لو دخلت البصرة فتعالجت من هذا الذي بك ، فرفع طرفه إلى السماء وقال : يا سيدي ، بأيّ ذنب سلّطت عليّ هؤلاء ليسخطوني عليك ويكرّهونك إليّ ، سيدي لك العتبى من ذلك الذنب ، وأستغفرك منه ولا أعود فيه أبدا . قال : ثم أعرض عنّا بوجهه ، فانصرفنا ، وتركناه . وروي عن بشر بن الحارث الحافي ، رضي اللّه تعالى عنه ، أنه قال : « رأيت ب « عبادان » رجلا قد قطعه البلاء وقد سالت حدقتاه على خديه وهو مع ذلك كثير الذكر عظيم الشكر للّه تعالى . قال : وإذا هو قد صرع من جنّة « 4 » به ، قال : فوضعت رأسه في حجري « 5 » وجعلت أسأل اللّه تعالى أن يكشف ما به وأدعو ، فأفاق ، فسمع دعائي ، فقال : من هذا الفضوليّ الذي يدخل بين وبين ربّي ويعترض عليه في نعمته عليّ ! ! ونحّى رأسه من حجري . قال بشر : فعاقدت اللّه تعالى أن لا أعترض على عبد في نعمة أراها عليه من البلاء . وقد روى في بعض الأخبار : أن يونس وجبريل عليهما الصلاة والسلام التقيا ، فقال يونس لجبريل : دلّني على أعبد أهل الأرض ، فأتى به على رجل قد قطع الجذام يديه ورجليه . قال : وإذا هو يقول : « متعتني بهما حيث شئت ، وسلبتنيهما حيث شئت ، وأبقيت لي فيك الأمل يا برّ يا وصول . فقال يونس : يا جبريل ، إنما سألتك أن تريني صوّاما قوّاما ! ! قال : إن هذا كان قبل البلاء هكذا ، وقد أمرت أن أسلبه بصره ، فأشار إلى

--> ( 1 ) الطارق : الآتي ليلا . ( 2 ) ندّ الجمل : نفر وشرد . ( 3 ) الجذام : علة تتآكل منها الأعضاء وتتساقط . ( 4 ) الجنّة : الجنون أي زوال العقل أو فساد فيه . ( 5 ) الحجر من الإنسان : حضنه وكنفه .